أنا اتصرعت و رايح في داهية…

في القديم لم نكن نحتاج لأكثر من قطعة قماش تستر أجسادنا و عصا غليظة نلبي بها احتياجاتنا الأساسية, كان أكثر همنا الغذاء والدفء و مخلوقة لا تختلف كثيرا في مظهرها عنا تشاركنا غرائزنا, و كان ذلك كفيلا بجعلنا سعداء إلى منام أعيننا.

أما اليوم, كفرنا بالنعمة و صرنا لا نطيق الملابس التي تسترنا و لا الجدران التي تؤوينا و لا الأطباق التي نتناولها و لا الشوارع التي نعبرها و لا الناس الذين نلتقيهم و المواضيع التي نثيرها…

ألفنا طريقة عيش صممت لأجلها نظم و أساسيات و تقاليد و دعائم تمنع انهيارها.

لكن و هناك دائما لكن, اليوم مللت هذه الملابس, هذه الجدران, هذه الشوارع التي أقطعها في اليوم مليون مرة, و هؤلاء الخلق ذوي الوجوه اليابسة المكفهرة و الابتسامات المصطنعة.

تساءلت ماذا حل بي…هل أنا مريض؟ هل أصابني مس ما؟ لازمني نشوف دكتور أو نزور سيدي صاحب الجاه يرقيني…

التفت حولي فرأيت ثلة من الخلق قد أصابهم ما أصابني…ارتاحت نفسي لأنني لست وحدي أغلي في هذه الحمى الباردة.

بحثنا عن طبيب يشفينا فلم نجد, تطاولت أعنقنا تبحث فانتهت خلف هذه الجدران العادية و تكشفت أعيننا على ما يسير في شوارع غير شوارعنا…أثارت فضولنا هذه الحدود و المحرمات و الممنوعات…لم نقتنع بما كتب لنا, فكل محرم مشتهى و كل ممنوع مرغوب…وتطاولت أيادينا لتكشف نقاب بعض المحجوبات و ترى ما ستر وراء قضبان و حصون و كلمات سرية.

انبهرت أعيننا بسماء ليست كسمائنا و جدران ليست كجدرارنا و بمخلوقات جديدة, المريب أنها تشبهنا و تمشي و تتحرك و تشعر و تنطق مثلنا لكنها لا تبدو متصنعة الابتسام و تبدو متأنقة بسعادة مثيرة لا نعرفها و لا نستوردها معاذ الله.

ألفنا و أحببنا ذلك المقام المحرم و تعلمنا و طبقنا تعاليمه و ذهلنا بإمكانياته و فسحاته و مشاريعه…لكن حان وقت التوبة و مصير الحي يرجع و يا لها من رجعة.

لم يتغير المكان الأول و لا قيد شعرة أستغفر الله, حرام الكذب…لقد تغير فقد ازداد اكفهرارا و ضيقا و تعسفا. انبهرت أعيننا بهذه الرمادية الخلابة التي لم نلق بالا لوجودها قبلا…فكيف لعبد أن يدرك جمال الحرية و قد ولد عبدا مصيره مرسوم قبل أن يولد أو أنه ولد لذات غرض الخدمة لكن لا علينا فهذه جدلية أخرى…

فبعد سلسلة الانبهارات و تذوق الحرام تجرأت ألسنتنا على النطق بمواضيع حرمت إثارتها, نطقت ألسنتنا مصدقة بمبدأ أن الضغط يولد انفجارا و الانفجار يؤدي إلى تغيير. ثرنا بطيش على فجور لمسناه في حق الإنسانية و دَعونا إلى الكفر و الارتداد عن دين الصمت والاختباء و الجبن و نادينا إلى الأيمان واعتناق دين التفاؤل و الانطلاق و المخاطرة.

لكن كالعادة هاهي لكن مرة أخرى هذا دين قديم قائم على دعائم صخرية من عمل القدماء أو أنهم علمونا أنها من عمل الجن فكيف لهذا الجيل الطائش أن يسمع.

حاولت أيدينا الهزيلة هز بعض هذه الأعمدة و صاحت ألسنتنا محرضة على بالانقلاب فلقبونا بالمتمردين و الثوريين و الكفرة الفاجرين.

نال الملل من تفاؤلنا و ابتسامتنا كما نال من سائر أبداننا و مشاغل حياتنا و عدنا إلى المشي في نفس الشوارع نأكل نفس الطعام و نردد نفس الأعمال لكن ضلت تعترينا من حين للأخر نوبة صرع تفاؤلي…

أشعلنا بصَرْعنا نارا سرعان ما انخمدت بأمطار رعدية, أصدرنا دخانا لم يبالي به أحد أو اشتم البعض رائحته فتبعوا مصدره لتحترق ملابسهم فأذكت النار مجددا.

تتالت نوبات الصرع التفاؤلي فصارت مرضا مزمنا و معديا يهدد الأدمغة الكلسية و أجهزة المناعة الحديدية…

كان اسم الوباء المشخص أنفلونزا التفاؤل و صدرت من أجل احتواءه أقراص الخوف و حقن النسيان…

وقف الكهنة و الأئمة يعضون الناس: هذه حياتكم سراط مستقيم بدايتها يوم ولدتم و ولد معكم دينكم و نهايتها هي الموت على هذا الدين لا تحيدون عنه رغم شدة الفتن و جائزتكم فيلات و قصور تجري من تحتها أموال محتاجين و سرقات و رشاوى فمن أبى منكم و عصى وفضل الضلالة على الهدى فمصيره سجون يصلى فيها عذابا بوليسيا رهيبا و يومها ما له من وكيل…

وقف المصروعون المحتضرون ينازعون خط الحياة المستقيم و يرسمون له منعطفات و منحنيات تقود إلى نهايات ضالة أخرى…

رسم هؤلاء المغضوب عليهم إشارات طرقهم و منعطفاتهم بالبرتقالي البهيج و الأصفر المشرق و الأخضر المريح و الأزرق الهادئ  فَقَشعت تلك السماء الرمادية و كالعادة تأتي لكن لتسْرد انه سرعان ما ساحت هذه الألوان و امتزجت و صارت بنفسجيا غامقا تماما كما يحدث على محمل الرسام إذ ما حاول مزج تلك الألوان.

عاد المصروعون رغم الداء و الأعداء للبحث في أصول هذا الدين الجليل علهم يتعثرون بجرح جلدي يمكنهم من الولوج إلى تيار دمه فيعبثوا بخلاياه البيضاء الحديدية و يحطموا نوروناته أو خلاياه العصبية الكلسية فلم يضفروا غير بسورة “الداخل إليه مفقود و الخارج منه مولود”…

و علموا أنهم مولودون, فتساءلوا إن كانوا هم رسل الغد و ماهذه المهزلة إلا واحدة من المعارك أو الفتحات التي سيخطها التاريخ ليضجر بها تلاميذ القرن القادم و يزيد بها من سماكة كتبهم أو حمولة الفايل على لابتوباتهم…

إن كانوا هم رسل الغد فقد كُتب عليهم إسقاط أعراف القبيلة و رد السيد ملل إلى صندوق بندورا القديم رغم عدم انتمائه إليه لكنه بخطورته ينافس الشرور الأخرى- لم تذكر لأسباب أمنية…سكيورتي ريزنس يعني…

إن كانوا هم رسل الغد فلعل من معجزاتهم مرآة تكسر الحجب و تعكس حقائق محرمة وتعكس نورا محرما يضر بالذات الهرمة المقدسة و يمحي بنفسجية هذه اللوحة الكئيبة و يستبدلها بأقواس قزح بهيجة و….و….

اصحي و كفاية أحلام يقظة أيها المصروع, فأنت لا تزال تجلس إلى هذه الطاولة الوضيعة على هذا الكرسي البلاستيكي الأبيض تخط مشاريع خطيرة و سرية تكافح أعزلا مع دائك المزمن و تزحف لتنشر عدوى صممت لأجلها تلاقيح تعطى منذ الصغر…

بقلمي قاسم الجليدي…05 سبتمبر 2010.

Advertisements

2 thoughts on “أنا اتصرعت و رايح في داهية…

  1. elico17

    مقال رائع قاسم.
    تمنياتي لكل الموبوئين مثلك بمزيد المرض و الإنشغال لما فيه صالح الأمة

Leave a comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s