التفاؤل: تذكرة استمرارية الحياة

لم يستطع قلمي مقاومة ملئ هذه الصفحات بحبره الأزرق لكن عقلي استطاع مقاومة عدم الخوض في هذه الأسطر للإصلاح ما قد يشوبها من أخطاء فها أنا أهديكم هذه الأسطر كم خلقت أول مرة.

*************************************************************

Grey sky-Not!

التفاؤل: تذكرة استمرارية الحياة

لفت انتباهي ضوء خافت لطيف يتسلل مخترقا نافذتي مضيئا جزءا من أرضية هذه الغرفة المظلمة بهذا الحي المظلم. انعكس ضوء القمر على زجاج إطار صورة علقت لإحياء ذكرى صاحبها.

تبعت مصدر الضوء و تطلعت إليه كتطلع طفل إلى غرض في فترينة لا يقدر على شراءه, فسرعان ما تسارعت إلى ذهني صورة سماء ذلك اليوم الشتائي الملبدة بسحب رمادية, حالت دون نور الشمس لإشراق المكان- تلبدت السحب و امتزجت كأنها قطعة واحدة تحجب الشمس عن الأرض و كأن السماء علمت مسبقا بتقلبات بعض قلوب أهل الأرض.

لم تطرد نسمات ذلك الشتاء الباردة و لا برك الماء الصغيرة المتكونة نتيجة أمطار الليلة الفارطة و لا تلبد تلك السحب بسمتي. لم تحل كل أجواء شتائي الحبيب من شعوري بالتفاؤل و بدأ يومي بنشاط عسى أن يدب بعض الأمل في بعض تلك القلوب التي ألقاها.

كان شعوري بالسعادة و الرضى عن ذاتي غير ملائم يومها لكن لم يكن بوسعي تجاهله, مررت على غرف المرضى أحييهم تحية الصباح و أسألهم “شنوه تحسوا في أرواحكم اليوما؟ أبركشي شويا؟ أيا نقصتشي الوجيعة؟” و أساعد بعضهم على النهوض متوكلين على الله.

تدحرجت قدماي فجأة في حالة استعجاليه كنت قد دعيت إليها, إنهم يريدونني أن أجهز و أسارع بتجهيز غرفة العمليات لأن الطبيب الروسي سيشرع في عملية و لم يصل كل فريق الممرضين بعد إلى العمل أو وصلوا لكنهم مازالوا بالكافيتيريا يتناولون فطور الصباح أو يدخنون سيجارة الصباح لكن لا يهم.

المريض كان شابا يافعا فقد السيطرة ليلة أمس على الشاحنة التي كان يقودها نتيجة تغاضي مديره عن عطل ميكانيكي كان قد أصابها, لكن هذا لا يهم أيضا.

اعتقد الفريق الصحي الليلي الذي استقبله أنهم سيطروا على الوضع, لكن مع إشراق الشمس وراء تلك السحب ساء وضعه و ارتفع ضغط دمه بشكل مقلق و ملحوظ نتيجة تورم دماغي حسب التشخيص الأولي.

أعلنت حالة الطوارئ في قسم الجراحة و ساعدت في تجهيز و تعقيم الطبيب الروسي و مساعده.

خبير البنج أعطى الإشارة بإمكانية شق الجسم و الشروع في العملية.

اضطررت إلى مغادرة القاعة لأتصل بطبيب الأشعة فالتقت عيناي بعينيها التي أذهبت دموعهما تناسق الكحل الذي يعلو مقلتيها و رسمت هالتين سوداوين حولهما.

جلست على مقاعد الانتظار تراقب باب غرفة العمليات تؤرقها تهيؤاتها و ولولاتها. لم أخاطبها حينها لكن استوقفتني عيناها مرة أخرى لدى عودتي. وقفت و اتجهت نحوي تسألني عن حالته, فرددت سؤالها بسؤال عن مدى قرابتها بالمريض, فأجابتني بحياء بأنها خطيبته و أنها قد أمضت الليل إلى جانبه يتحدثان و كان بخير و يبتسم حتى تركته في الصباح لتجلب له قهوة من كافيتيريا المستشفى.

رددت بإجحاف بأن العملية قد بدأت منذ دقائق و لا معرفة لي بحالته, طمأنتها بأن كل شيء سيكون على ما يرام, كيف لا وهو بين يدي الطبيب الروسي…

أسرعت بالدخول ثانية إلى غرفة العمليات دون أن أعطيها الفرصة لترد على كلماتي الروتينية, لم أدري لماذا تجنبت إجابتها كما ينبغي و هربت. انضممت إلى الفريق الجراحي و دماغي لا يكف عن التفكير بما فعلت و بحالة هذا المسكين الممدد بين أيدينا ضحية إهمال مديره البخيل. رحت أفكر بمصير هذا الرجل إن كان سينجو ليضم السهرانة إلى جانبه.

قارب تأثير البنج على النفاذ و أكياس الدم التي ملأت عروق هذا البائس تقطر آخر القطرات و أخيرا ها أنا أقص خيط الغرز التي أغلقت جرح هذا البائس.

خرجت أطلع المنتظرة خارجا عن آخر التطورات, لمعت عيناها عندما رأت ذلك الباب يندفع لكنها أسرعت الخطى هذه المرة في اتجاهي, لم أعلم إن كان إسراعها للهفتها لسماع خبر عن الراقد في الداخل أم لتمنعني من الهرب ثانية.

سارعت في اتجاهي و على شفاهها مئات الأسئلة لكنني سارعت بالنطق أولا أزف إليها الخبر الرمادي بأننا فعلنا كل ما بوسعنا لكن يوجد احتمال أن يعيش مشلولا.. الأمر بيد الله الآن ليحدد مصيره…

شعرت هي رغم كل شيء برغبة في الكلام, فسمحت لها عسى أن تغفر جفائي الأول. في حين شعرت  أنا بألم و ندم بالغين عما بدر مني, فكم ظننت قبلا بأنني العطوف الذي يسيل الحنان من بين كتفي لينسكب في قلوب منشقة إلى أن يفيض عن الجانبين سعادة و رضى.

شعرت بندم يغرز خنجره بوحشية في صدري كما غرزت تلك الشفرة في جلد ذلك الفتى تفتحه لتكشف أسرارا دموية. فكم اعتقدت قبل ذلك اليوم أنني المتفهم العاقل الذي يتقن لعبة الصمت و الاستماع حتى لحثيث أوراق الشجر في قيلولة صيف حار لا تشوبه نسمة.

كيف فاتني سبر معنى تلك النظرات التي لم يزدها تشوه الكحل إلا جمالا و أنا الذي طالما ظننت أنني الفهمان القادر على تحليل النظرات و الابتسامات و التعليقات حتى المبهم منها.

لست أفهم ما أصابني في تلك اللحظة لكنني استعددت للتكفير عن ذلك الجفاء بتركها تتكلم دون روابط.

باعدت بين شفتيها الزهريتين و سألتني ماذا أعني بشلل…

لم يكن اطلاع المرضى أو أهاليهم عن الأخبار المأساوية هوايتي أو شغلي لكن فات الأوان للتنصل من اللأجابة. فالتورم الدموي بدماغه ينتج عنه عادة منع الأكسيجين من الوصول إلى الخلايا العصبية مما يصيب مناطق من الدماغ بالتلف.

البائسة انخفض كتفاها كأن طنا وضع عليهما وانخفضت جفونها ساجدة إلى الأرض كأنها تستوعب كلماتي العلمية.

لم أشأ أن ابسط الكلام أكثر لعل كلماتي المعقدة تنجح في إخفاء جزءا من مرارة الفاجعة. هي لم تعد تقوى على الوقوف, تراجعت إلى الوراء و جلست تهمس بكلام و كأنها ترثيه…

كان رجلا يتمتع بقساوة الرجال و فشلهم في الخضوع إلى جوارحهم, فقد كان لا يذل قسوته و ترفعه كي لا يفضح ضعف قلبه.

نظراته, كلماته و مبادراته تفضحه أحيانا كاشفة الحقيقة عن كائن شاعري و متفهم. كان يتمتع بحيوية الشباب و حكمة الشيوخ.

لو اقدر أن اجعل الحروف تنطق لاستنتجتم مدي تيتمها به و فظاعة جريمتي.

واصلت حديثها تتخلله عبرة من حين لأخر لكنه كان مسترسلا كأنها تقرأ من صحيفة. خانني ثبوتي حينها و لم أفقه ما علي فعله فكم خالجني قبل الآن أنني أقوى من كل ما يمكن أن يحدث, فلطالما وجدت طريقا لنسيان المر و الصعب. كنت دائما من يضيء أركان الظلام و يبدد سحب الظلم والمعاناة لكن هذا قدره و هذا قدرها أن تنحبه…كانت تمنع دموعها من التسرب حياءا من تسكبها أمامي.

اخترقت صمتي و أخيرا عاد عقلي إلى العمل و التساؤل إذا كان بإمكاني ضم يدها و مواساتها لكنني استسلمت و خضعت لضعفي و لم افعل شيئا.

سادت لحظات صمت طويلة قبل أن ابتسم لها و أخبرها بان إمكانية و درجة شلله مجرد فرضية و سيكون بالعناية المركزة و إن شاء الله لاباس و ما فما كان الخير…

أخبرتها أنني سأسمح لها بالدخول و إمضاء بعض الدقائق معه لكن علي إنهاء بعض المعاملات الورقية.

لم يكن هناك أي معاملات ورقية, لكني لفظت تلك الجملة و انسحبت فورا من أمامها ألعن القدر على عدله و حكمته.

يبدو أني فقدت كل شيء يومها: قوتي, رهافة حسي, تفهمي, حكمتي, إنصاتي حتى قدرتي على الكلام لكنني سعدت بأنني قدرت على الابتسام ثانية, فعلى ما يبدو أنني مازلت أحتفظ بايجابيتي اللامتناهية و قدرتي على التفاؤل المطلق.

لم أجد قط جوابا عن سؤالي إن كان ذلك قسوة غير اعتيادية مني عدم ذرف دمعة على نقاء ذلك الحب أم كان ذلك موقفا استثنائيا قدريا دقيقا اغتنم يومي الرمادي البهيج مباشرا في طعنه نفسيتي بحقيقة تلثها أوهام ضنوني بإمكانياتي.

بقلم قاسم الجليدي, القيروان, تونس, 28 أوت 2010.

Advertisements

Leave a comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s